محمد بن جرير الطبري
85
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بتعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة في الكفر بالله ورسوله ومعصيتهما ، وأنهم قالوا : إن أهل الكفر بالله أولى بالحق من أهل الإيمان به ، وإن دين أهل التكذيب لله ولرسوله أعدل وأصوب من دين أهل التصديق لله ولرسوله ، وذكر أن ذلك من صفة كعب بن الأشرف ، وأنه قائل ذلك . ذكر الآثار الواردة بما قلنا : حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لما قدم كعب بن الأشرف مكة ، قالت له قريش : أنت خير أهل المدينة وسيدهم ؟ قال : نعم . قالوا : ألا ترى إلى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ، ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية ؟ قال : أنتم خير منه . قال : فأنزلت : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ وأنزلت : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ إلى قوله : فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا داود ، عن عكرمة في هذه الآية : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ ثم ذكر نحوه . وحدثني إسحاق بن شاهين ، قال : أخبرنا خالد الواسطي ، عن داود ، عن عكرمة ، قال : قدم كعب بن الأشرف مكة ، فقال له المشركون : احكم بيننا وبين هذا الصنبور الأبتر ، فأنت سيدنا وسيد قومك . فقال كعب : أنتم والله خير منه . فأنزل الله تبارك وتعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ إلى آخر الآية . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال : أخبرنا أيوب ، عن عكرمة : أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش ، فاستجاشهم على النبي صلى الله عليه وسلم ، وأمرهم أن يغزوه ، وقال : إنا معكم نقاتله ، فقالوا : إنكم أهل كتاب ، وهو صاحب كتاب ، ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم ، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ففعل . ثم قالوا : نحن أهدى أم محمد ؟ فنحن ننحر الكوماء ، ونسقي اللبن على الماء ، ونصل الرحم ، ونقري الضيف ، ونطوف بهذا البيت ، ومحمد قطع رحمه ، وخرج من بلده . قال : بل أنتم خير وأهدى فنزلت فيه : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : لما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهود بني النضير ما كان حين أتاهم يستعينهم في دية العامريين ، فهموا به وبأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأطلع الله رسوله على ما هموا به من ذلك ، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فهرب كعب بن الأشرف حتى أتى مكة ، فعاهدهم على محمد ، فقال له أبو سفيان : يا أبا سعد ، إنكم قوم تقرءون الكتاب ، وتعلمون ، ونحن قوم لا نعلم ، فأخبرنا : ديننا خير أم دين محمد ؟ قال كعب : اعرضوا علي دينكم فقال أبو سفيان : نحن قوم ننحر الكوماء ، ونسقي الحجيج الماء ، ونقري الضيف ، ونعمر بيت ربنا ، ونعبد آلهتنا التي كان يعبد آباؤنا ، ومحمد يأمرنا أن نترك هذا ونتبعه . قال : دينكم خير من دين محمد ، فاثبتوا عليه ألا ترون أن محمدا يزعم أنه بعث بالتواضع ، وهو ينكح من النساء ما شاء ؟ وما نعلم ملكا أعظم من ملك النساء فذلك حين يقول : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : نزلت في كعب بن الأشرف وكفار قريش قال : كفار قريش أهدى من محمد عليه الصلاة والسلام . قال ابن جريج : قدم كعب بن الأشرف ، فجاءته قريش فسألته عن محمد فصغر أمره ويسره وأخبرهم أنه ضال . قال : ثم قالوا له : ننشدك الله نحن أهدى أم هو ؟ فإنك قد علمت أنا ننحر الكوم ، ونسقي الحجيج ، ونعمر البيت ، ونطعم ما هبت الريح قال : أنتم أهدى . وقال آخرون : بل هذه الصفة صفة جماعة من اليهود منهم حيي بن أخطب ، وهم الذين قالوا للمشركين ما أخبر الله عنهم أنهم قالوه لهم . ذكر الأخبار بذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق عمن قاله ، قال : أخبرني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان الذين